عدد رقم 2 لسنة 2016
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
”ليديا أكرم“ ... واستثمار المرض والألم  


لم تكن ”ليديا أكرم“  - طالبة الإعلام في جامعة مصر الدولية – قد أتمت عامها التاسع عشر، وكانت في قمة معاناتها ضد مرض السرطان المرعب، الذي كان قد هاجمها بضراوة، وأخذ ينهش – بلا رحمة – جسدها الغض الرقيق، منذ قرابة العام؛ أي وهي في الثامنة عشر من عمرها.  ولكن في يوم 4 ديسمبر 2014 أجرت ”ليديا“ لقاءً إذاعيًا مع برنامج ”يوم الخميس“ الذي يُذاع على ”راديو ملاحة“، لتحكي عن تجربتها مع مرضها.  وبصوتها الرخيم المُفعم بالبهجة والنشاط والحيوية، قالت:

-          خلال فترة مرضي تعرَّفت على المسيح باعتباره مُخلّصي وفاديَّ، وبدأت في الدخول في علاقة حميمة وطيدة، وشركة عميقة معه.

-          طوال عمري كنت أخاف من مجرد حقنة.  وعندما علمت من الأطباء أنني مصابة بالسرطان، كان الأمر للوهلة الأولى صادمًا ومرعبًا ... كان كل كياني يصرخ من داخلي ... ولكني شعرت بالرب يقترب مني ... وأخذني في حضنه ... وطمني وشجعني ورفعني فوق تجربتي وفوق المرض ... لقد حلَّ السلام في قلبي، ولم أعد أقلق من انتشار المرض ... ولم أعد أخاف من الموت.  لقد لمع الرجاء أمام عيني، وكنت أشعر بالسماء تقترب مني ... وتبدّل حزني وانزعاجي، بالفرح والسلام والهدوء ... وصراخي وبكائي ورعبي، تحوَّل إلى تسليم وثقة في الرب ... وبدأت أقول من قلبي: ”يا رب، لتكن مشيئتك.“

-          أثناء سلسلة العمليات الجراحية التي أُجريت لي، وخلال فترة العلاج الكيماوي، كانت تمرّ عليَّ ظروف نفسية صعبة جدًا، لكن في كل مرة كنت أطلب الرب، كنت أجده قريبًا مني ... وكان بياخدني في حضنه ... وبعدها كنت بأشعر بفرح يغمرني ويملأ كياني.

-          كل ما يشغلني الآن أن الرب يسوع موجود، وأنا فرحانة بيه جدًا ... طول عمري كنت أعرف إن المسيح شخص عجيب، لكن أنا اختبرت ده عمليًا خلال فترة مرضي ... وفي كل مرة كنت أصلي وأقول له: ”يا ربي، أنا تعبانة“، كنت أشعر به بيحضني ... ربنا بيحضني! ... وده أروع شعور في الدنيا ... ولما كنت بأشعر بهذا الشعور، كنت أحسّ إني قوية جدًا ... وفي لحظات كان يتحول ضعفي وانكساري إلى قوة وثبات.  بمجرد إني كنت أصلي وأنده له، كنت ألاقي نفسي في قمة السعادة والسلام.  وعلشان كده كنت أصلي كل يوم الصبح، وأقول: ”يا رب، ساعدني النهاردة، واشبع عمري من خيرك“. 

-          الشخص المريض الضعيف الذي يستحق نظرات الشفقة والرثاء، هو البعيد عن الرب يسوع ... لكن أول ما الرب يسوع يدخل الحياة، بيُعطي القوة ويُكثّر الشدة، ويعطي للنفس رجاء أفضل.  وفي صباح كل يوم، كنت أنتظر الرب علشان يمسك إيدي، ويمشي معي كل اليوم.  وفهمت معنى الآية: «يُعْطِي الْمُعْيِيَ قُدْرَةً، وَلِعَدِيمِ الْقُوَّةِ يُكَثِّرُ شِدَّةً ... أَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً.  يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ.  يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ.  يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ» (إش40: 29-31).  عندما تهبّ العاصفة، كل الطيور تختبئ في أوكارها، باستثناء النسر!  النسر بيفرد جناحيه، ويتحدى العاصفة، ويطير ويدخل فيها.  والعاصفة نفسها هي اللي بترفعه لفوق ... وأنا الرب خلاني أختبر ده ... أنا اتحرمت من المشي والجري، لكن تعلّمت الطيران والتحليق فوق العاصفة!  جسديًا كنت سجينة الفراش، مش قادرة أتحرك، وروحيًا ونفسيًا كنت في السماويات.

-          لما قرأت الآية: «إِنِّي لِهَذَا بِعَيْنِهِ أَقَمْتُكَ، لِكَيْ أُظْهِرَ فِيكَ قُوَّتِي، وَلِكَيْ يُنَادَى بِاسْمِي فِي كُلِّ الأَرْضِ» (رو9: 17)، شعرت أن الرب يسوع بيقول ليَّ: ”يا ليديا ... أنا اخترتك علشان أشتغل بيكي وأستخدمك، ومن خلالك الناس تعرف أن إلهك «هُوَ الصَّخْرُ الكَامِلُ صَنِيعُهُ.  إِنَّ جَمِيعَ سُبُلِهِ عَدْلٌ.  إِلهُ أَمَانَةٍ لا جَوْرَ فِيهِ.  صِدِّيقٌ وَعَادِلٌ هُوَ» (تث32: 4).  وعلشان كده بدأت أتكلّم عن الرب في كل ظروفي، ولكل اللي كانوا بيتعاملوا معي.  ورغم ضعفي الشديد، كنت متأكدة أن الرب بيتمجّد في الأواني الهشة الضعيفة.

-          أنا متأكدة أن «أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا» (رو8: 18)، وأن «خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا» (2كو4: 17).  فأمام كل تجربة وقتية المؤمن يحتملها، مش بس فرح وقوة وسلام أثناء التجربة، لكن هناك مجد أبدي عظيم ورائع نتمتع بعربونه من هنا، وندخل لملء التمتع به في السماء، بطول الأبدية.

-          أي شخص مُتعب وذليل ومكسور، ما فيش عنده إلا حلّ واحد؛ يروح للمسيح، ويرتمي في حضنه، ويسند رأسه المُتعبّة على صدره ... حضن المسيح هو أروع وأحلى وأدفى مكان في الدنيا ... الرب يسوع لما ياخدك في حضنه ويطبطب عليك، سوف يرفعك فوق كل ظرف ممكن يكسرك ويذلك، وفوق أي إنسان ممكن يضايقك، وفوق كل تجربة ممكن تتعبك وتذلك.

-          الطريق الوحيد اللي ممكن نمشي فيه من غير ما نكل ونخور ونتهزم، هو الطريق مع الرب يسوع المسيح.  إنه دائمًا يسمع صراخ الذي يُصلي إليه، ولا يمكن أبدًا يتأخر عن تحقيق مواعيده ووعوده.

وقبل أن تتم عامها العشرين، وفي يوم 19 يناير 2016 طوت ”ليديا أكرم“ آخر صفحة من صفحات الزمان، لتبدأ أول صفحة من صفحات الأبدية، وانطلقت روحها لتكون مع المسيح.  ولكنها ”وإن ماتت تتكلَّم بعد“، فلقد تركت تأثيرًا لا يُمكن أن يُمحى. 

وقد تبرهن هذا التأثير بعد أقل من شهر من انطلاقها إلى السماء؛ فقد أعلنت الفنانة ”إنجي عبدالله“ - ملكة جمال مصر سابقًا - حقيقة إصابتها بمرض السرطان، وكتبت بوست على صفحتها على الفيس بوك تقول فيه: ”خلاص النهاردة تأكدت؛ خمس أطباء أجمعوا على إصابتي بورم فى المخ والنخاع الشوكي، فى مكان خطر ولا يمكن استئصاله.  الحمد لله، هي صدمة كبيرة، بس أنا متقبلة، ادعوا لي“.

وبعدها بأيام قليلة كتبت ”إنجي“ بوست آخر شكرت فيه كل من سأل عليها.  وأضافت قائلة: ”الحمد لله أنا مش متضايقة، بالعكس متقبلة وراضية، بس فيه كلمة فى حق حد لازم أقولها؛ هي بنت أنا لا أعرفها شخصيًا، اسمها ”ليديا أكرم“، كان عندها عشرين سنة، وهى توفت تقريبًا من شهر، وكان نازل عنها أخبار كتير على الفيس بوك.  أنا تأثرت بيها أوي مش عارفة ليه.  وكنت أقرأ أي حاجة تنزل عنها، وصديقتي ”ميريام جورج“ مرة نزلت لينك لقاء لها فى الراديو، قبل ما تتوفى بسنة.  وأنا دخلت وسمعتها لمدة ساعة بتتكلّم عن مرضها، وهي بتضحك وسعيدة وراضيه وحاسه طول الوقت أن ربنا معاها، وقالت أنا بحاول أوصل رسالة للناس.  أنا بصراحة استغربت هي إزاي كده.  وتساءلت: يا رب إزاي الواحد يكون عنده القوة ديه؛ أنه يواجه حاجات صعبة كده، ويكون راضي، ومش بس راضي، لا، يكون سعيد وشاكر، وكأنه مفيش حاجة.  الموضوع أخد منى وقت، وتأثرت بيها وبكلامها، بس بعد كام يوم الموضوع عدى ونسيت.  بس لما عرفت اللي عندي، فى الأول اتصدمت، وبجد كنت خائفة جدًا، بس مش افتكرت ”ليديا“، وافتكرت كلامها.  وأنا فى حالة نفسية صعبة، وفى عز خوفي قلت: يا رب اديني قوة ”ليديا، وكنت كل ما أحس بخوف أدعي نفس الدعاء.  وبعدها حسيت بقوة ورفعة ولا كأن فيَّ أي حاجة، وكان لما أي دكتور جديد يأكد نفس الكلام كنت ببقى عادية خالص، وأنزل من عنده أخرج أتفسح أو أعمل شوبنج.  المهم أنا وقتها لم أفهم يعنى إيه هي بتوصل رسالة، بس أنا دلوقتي فهمت، واحب أقولك يا ”ليديا“ رسالتك وصلتني، وشكرًا بجد لأنها مش بس فرقت معايا، لا دي غيرت حاجات كتير أوي جوايا، أنا سعيدة أكتر من أي وقت، وعندي أمل وحاسه بإيد ربنا رفعاني، ومش مهم خالص أي ظروف صعبة الواحد ممكن يعدى بيها، المهم بجد أنك تقرر تعيشها إزاي.  وهما اختيارين بس: الأول كلنا عارفينه لأنه سهل بس هيخلي حياتك وحياة اللي حواليك صعبة أوي.  والتاني أنك تكون زي ”ليديا“ اللي مبطلتش تطلب ربنا ياخدها في حضنه.  إحساس رائع بجد.  أنا بجد كويسه، ومتأكدة أنها مرحلة وهتعدي.

أيها الأحباء: إن الألم ضروري لنا جميعًا، لأن من أعمق الألم يخرج أقوى يقين في وجود الله وفي محبته.  فالدموع غالبًا ما تكون التلسكوب الذي نرى من خلاله ما في السماء.  وقد اختبرنا أن أحسن أوقاتنا الروحية التي شعرنا فيها بقرب الرب منا، هي الأوقات التي استطعنا أن نقول فيها: «أَبْتَهِجُ وَأَفْرَحُ بِرَحْمَتِكَ، لأَنَّكَ نَظَرْتَ إِلَى مَذَلَّتِي، وَعَرَفْتَ فِي الشَّدَائِدِ نَفْسِي» (مز31: 7).  وحقًا قال أحدهم: إنني على يقين بأنني لم أنمو في النعمة في أي مكان مثلما فعلت على سرير الألم.  ومن المؤكد أن المؤمن يخرج من كل تجربة مؤلمة بأملاكٍ روحية جزيلة (تك15: 13، 14).  فيا ليتك يا رفيق سياحة البرية أن تستثمر ألمك وتجربتك لمجد الرب إلهك، ولخير الآخرين، ولتقدمك الروحي، كما فعلت ”ليديا أكرم“.


© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com