عدد رقم 5 لسنة 2007
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
الشهادة للرب من خلال العمل  

تَرِد في الرسالة إلى تيطس عند الحديث عن علاقة العبيد بالسادة (وهي علاقة عمل زمني)، عبارة لا تَرِد في أي مكان آخر في الكتاب المقدس كله «والعبيد أن يخضعوا لسادتهم ويرضوهم في كل شيء، غير مناقضين، غير مختلسين، بل مقدّمين كل أمانة صالحة؛ لكى يزيّنوا تعليم مخلّصنا الله في كل شيء» (تي 2: 9، 10).  والجزء المقصود هو عبارة «لكى يزيّنوا تعليم مخلّصنا الله في كل شيء»، الذي فيه يصف الرسول أمانة وخضوع العبيد في أعمالهم بأنه زينة، أو سبب إضافي وجديد لجمال وروعة تعليم مخلصنا الله وتعظيمه.  أو كما ترد هذه العبارة في إحدي الترجمات بمعنى ”لجعل تعليم مخلصنا الله جذَّابًا في كل شيء“.  واللافت للنظر، أن هذا التشبيه لا يُستخدم لوصف قيمة وتأثير بعض الخدمات الأخرى ذات الأهمية القصوى، مثل التعليم والرعاية والكرازة والاشتراك في احتياجات القديسين... الخ.  ولعل الوحي قصد بذلك التأكيد على قيمة وفاعلية وتأثير خاص للأمانة في العمل والشهادة للرب من خلاله.  وأول ما يتبادر إلى الذهن هو أن كل من يعمل عملاً زمنيًا، أيًّا كان مجاله، لديه الفرصة، بل والامتياز أن يعمل شيئًا به يزيّن تعليم مخلّصنا الله.  وكم هو شرف وكرامة لكل من يقوم  بذلك.  والوحي لم يقدِّم فقط التعليم الخاص بأهمية الشهادة للرب من خلال العمل الزمنى، ولكنه قصد تقديم بعض النماذج الرائعة مثل: يوسف ودانيآل، اللذين كان نجاحهما وأمانتهما في العمل شهادة عظيمة لإلههما، كما سنذكر لاحقًا. 

وفى معرض الحديث عن الشهادة للرب من خلال العمل، سنتوقف أمام أمرين فى غاية الاهميه، وهما: مقومات نجاح ولمعان الشهادة، ومحاذير قد تؤدى لتعطّلها.

اولاً : مقومات نجاح الشهادة للرب من خلال العمل الزمني

1- الاهتمام بالنجاح في العمل

يعمل الإنسان لأن العمل حرفة حياة، ووسيلة لكسب العيش وسداد الاحتياجات المادية، «وتشتغلوا بأيديكم كما أوصيناكم، لكى تسلكوا بلياقة عند الذين هم من خارج، ولا تكون لكم حاجة إلى أحد» (1تس 4: 11، 12).  وكذلك لأن العمل وسيلة لإشباع شعور طبيعي وضعه الله في النفس البشرية بوجود دور في الحياة، يمنح الإحساس بقيمة ما يعمله الإنسان وتأثيره في الآخرين ومنفعته لهم.  ولذا نحن لا نتوقف كثيرًا لنسأل: ”لماذا نعمل؟“.  ولكن بما أن النجاح في العمل هو أحد أهم المكوّنات لشهادة المسيحي المؤمن، لا بد أن يكون ذلك هدفًا واضحًا نصب عينيه، وأن يكون الأمر فى قمة أولوياته، وأن يبذل أقصى ما فى وسعه لإدراكه. 

وحتمًا ستختلف الدوافع؛ فالشخص الطبيعي قد يسعي للنجاح للوصول إلى وضع أدبي، أو شهرة، أو شهوة، أو سطوة؛ ولكن المسيحي المؤمن يرى ذلك طريقًا لكي يتمجّد الرب من خلال نجاحه وتميّزه وانجازاته.  فالشهادة المتميزة غالبًا ما ترتبط بنجاح متميّز في العمل.  إن الرغبة في النجاح - من هذا المنطلق - والسعي له، ليس ضدًا للتسليم لمشيئة الرب والرضا والاكتفاء بما رتب.  كما لا يمكن أن تكون الشهادة مؤثِّرة للذين هم من خارج - أو حتى للمؤمنين - مع وجود إهمال أوتواكل أو فشل فى العمل الزمنى.  والأدلة على ذلك فى كلمة الله كثيرة، منها ما ذُكر في مزمور 1: 3 «وكل ما يصنعه ينجح (أو يفلح ويزدهر كما وردت في الأصل)».  بالإضافة إلى ما ذُكر عن يوسف في بيت فوطيفار «وكان الرب مع يوسف، فكان رجلاً ناجحًا... ورأى سيده أن الرب معه، وأن كل ما يصنع كان الرب يُنجحه بيده»، وكذلك ما كُتب عنه في السجن «لأن الرب كان معه، ومهما صنع كان الرب يُنجحه» (تك 39: 2، 3، 23).

لا يمكن أن تكون الشهادة مؤثِّرة للذين هم من خارج - أو حتى للمؤمنين - مع وجود إهمال أوتواكل أو فشل فى العمل الزمنى

2- الكفاءة

الكفاءة في العمل هي محصّلة مجموعتين مختلفتين من المهارات، وهما: المهارات الفنية، والمهارات الشخصية في التواصل والتعامل مع الآخرين.  وفيما يلي لمحة عن كل منهما:

أ- المهارات الفنية

وهي مهارات متخصِّصة، تختلف من عمل لآخر، حتى إذا كان في نفس المجال (فالمحاسب قد يعمل فى الحسابات العامة أو حسابات التكاليف أو المراجعة أو الإدارة المالية... الخ، وكل تخصص منها يستلزم مهارات فنية مختلفة).  والتميز الفني والمهني هو أول عناصرالتفوق في أي عمل، ولا نجاح في عمل بدون الإلمام بكل جوانبه، وامتلاك أفضل مهاراته الفنية.

المهارات الفنيه تُكتسب من الدراسات الأساسية والتكميلية، والدورات المتخصصة، وتراكم وتبادل الخبرة، والقراءة المهدَّفه، ومتابعة المستجدَّات فى مجال التخصص عن طريق الإطلاع والبحث الدؤوب.  وفي عصرنا الحالي أصبح الوصول إلى مصادر المعلومات والدراسة أمرًا يسيرًا، نظرًا لتنوع مصادر المعرفة وغزارتها ووفرتها وسهولة الحصول عليها.  وفى ظل وجود هذه الوفرة، يصبح التمكن من اكتساب مهارات العمل الفنية مرتبطًا بمدى الاجتهاد والمثابرة والمواظبة على الدراسة والتدريب وتطوير النفس.  «الرخاوة لا تمسك صيدًا، أما ثروة النفس الكريمة فهي الاجتهاد» (أم 12: 27)، «أ رأيت رجلاً مجتهدًا في عمله؟  أمام الملوك يقف، لا يقف أمام الرعاع» (أم22: 29).

ب- المهارات الشخصية Interpersonal Skills

وهي مجموعة المهارات التي تمكِّن الشخص من التفاعل مع كل من يتعامل معهم (العملاء، الزملاء، الرؤساء، المرؤوسين)، بطريقة فعّالة ومؤثِّرة، تنتج عنها نتائج إيجابية، وتّتسم بالسلاسة والاحترام والثقة المتبادلين.  إنها المهارات اللازمة لفهم جيد لفكر ومشاعر ودوافع الآخرين، وما يؤثر في مواقفهم وقراراتهم (سلبًا أو إيجابًا)، ثم التواصل معهم بطريقة واضحة، تحترم وتتفهم منطقهم ومشاعرهم (حتى لو اختلفت معهم).  ومن أهم مكونات مجموعة المهارات الشخصية ما يلي:

  • الإنصات (الإصغاء) الفعّال: حسن الاستماع للآخرين والتأكد من فهمهم جيدًا، وعدم ترك مجال لسوء الفهم أو الافتراض أو الاستنتاج الغير صحيح.
  • التواصل الفعال: تقديم أفكار وحلول وبدائل بطريقة واضحة ومفهومة ومقبولة ومناسبة للطرف الآخر، بدون لَبس أو خلط أو تشويش.  التواصل الفعال يتعامل بوعى تام مع كل من الفكر والمشاعر. 
  • الاندماج الفعال فى فريق عمل: تقدير قيمة العمل الجماعي، واليقين بأن نجاح الفرد مرهون بنجاح الفريق (والعكس صحيح)، مما سيؤدّى بالضرورة إلى القدرة على الاندماج في فريق عمل بطريقة تلقائيه وفاعلة.

3- الأمانة

تتاح فرصة للأمناء والمخلصين من أولاد الله لكل تلمع شهادتهم ويزينوا تعليم مخلصنا الله بتقديم «كل أمانة صالحة»، في وقت أصبح فيه الفساد الإداري، وانعدام الأمانة، في صور عديدة مثل: الاختلاس والتزوير والرشوة؛ سمة سائدة في العمل على معظم الأصعده. 

من المتوقع من المسيحي المؤمن ليس فقط أن يلتزم بأعلى وأسمى مقاييس الأمانة وأخلاقيات ومبادئ العمل المطلوبة، ولكن أن يتفحّص ويمتحن أصغر الأمور وأبسطها في ضوء:

أولاً: مقياس أسمى: فليس المتوقع من الأتقياء فقط أن يكونوا «غير مختلسين»؛ فذلك أمر متوقع من جميع العبيد بلا استثناء، بل أن يكون الأتقياء «مقدّمين كل أمانة صالحة» (تي2: 11).

ثانيًا: منظور ودافع أرقى للأمانة والإجادة فى العمل: «لا بخدمة العين كمن يرضي الناس، بل كعبيد المسيح، عاملين مشيئة الله من القلب» (أف 6: 6).

من المتوقع من المسيحي المؤمن ليس فقط أن يلتزم بأخلاقيات ومبادئ العمل المطلوبة، ولكن أن يتفحّص ويمتحن أصغر الأمور وأبسطها.

لذا، فالأمانة لا تتعلق بالأمور المالية فقط، مع أنها أول جوانبها، ولكنها تعني الأمانة التامة في كل ما يخصّ صالح العمل؛ مثل: الوقت، الممتلكات، الأسرار، الالتزامات، السمعة.  وكل ما يخص صالح العملاء مثل: الأسعار، المواصفات، المواعيد، الخصوصيات، عدم الاستغلال أو الاحتكار، المعاملة الطيبة.  وكل ما يخص الجهات الرسمية مثل: احترام الأنظمه، الإقرارات، الرسوم، الضرائب... الخ. 

مقياس الأمانة للمسيحي المؤمن هو حرصه التام على كل مقتنيات وممتلكات ومصالح الجهة التي يعمل بها، كما لو كان ذلك ماله الشخصي.  كما أنها لصاحب العمل الحر تعني أن يضع نفسه مكان عملائه وشركائه وموظفيه، ولا يقدِّم لهم إلا ما يقبل به لنفسه - ليس عن إضطرار بل بكل الرضا - لو كان مكان أي منهم. 

ويحسن بنا أن نتوقف قليلاً لنتأمل نموذج دانيآل، كأحد أفضل النماذج في الشهادة لإلهه ولشريعته من خلال الكفاءة والأمانة في العمل.

«ففاق دانيآل هذا على الوزراء والمرازبة، لأن فيه روحًا فاضلة.  وفكَّر الملك في أن يولّيه على المملكة كلها.  ثم إن الوزراء والمرازبة كانوا يطلبون عِلّة يجدونها على دانيآل من جهة المملكة، فلم يقدروا أن يجدوا علة ولا ذنبًا؛ لأنه كان أمينًا ولم يوجد فيه خطأ ولا ذنب» (دا 6: 3، 4).

وبتأمل ما كُتب عن دانيآل، نرى الآتى:

  • ترد كلمة «فاق»، بمعنى التميّز الشديد والتفرد، بالمقارنة بكل من عملوا معه.
  • كان واضحًا لمن فحصوا عمل وسلوك دانيآل أن لديه شيئًا يميّزه، وأن سبب تفرده وتفوقه أن «فيه روحًا فاضلة».
  • عندما فكر الملك أن يولى دانيآل على المملكة كلها، شعر الوزراء والمرازبة بالغيرة، ففكروا في فحص دانيآل من جهة المملكة (أي من جهة تفاصيل وطريقة عمله)، فلم يجدوا فيه علة لأنه كان أمينًا، ووجدوا الآتي:
    • لم يوجد فيه «خطأ» وهي كلمة ترد في معظم الترجمات بمعنى ”error“، وتصف الكلمة العيوب والأخطاء الفنية في العمل.  والمقصود أن عمله كان خاليًا من العيوب والأخطاء والملامة، أي أن دانيآل كان يؤدي عمله بكل كفاءة.
    • لم يوجد فيه «ذنب»، وهي كلمة تَرِد في الأصل بمعنى ”عيب“، وتَرد في حاشية ترجمة داربى بمعنى ”corruption“، وهي الكلمة المستخدَمة حاليًا بمعنى الفساد والرشوة.  والمقصود أن عمله كان خاليًا من أي فساد، أي أن دانيآل كان يؤدي عمله بكل أمانة.

لقد قدَّم من فحصوا ومحّصوا عمل دانيآل (وهم حاسدوه وأعدائه) تقريرهم بأن لديه مبادئ وخصائص وفضائل ممتازة ورائعة (راجع أيضًا دا 5: 11)، كان الدليل عليها والتعبير عنها الكفاءة والأمانة التامة في عمله، كما تبينوا بوضوح ارتباطه بشريعة إلهه وتمسكه بها (دا 6: 5).  ويقدِّم دانيآل في ذلك المثل والقدوة لكل مؤمن، كما يقدِّم الإجابة الشافيه لكل من يسأل: كيف يمكن أن يكون العمل الزمني شهادة حقيقة للرب؟!

4- عوامل أخرى

ما زال هناك الكثير يمكن الحديث عنه من عناصر النجاح في العمل؛ مثل: الخضوع الرؤساء، بناء علاقات جيدة مع الزملاء، الروح الايجابية، الفكر الابتكاري، الالتزام، الشفافية، المصداقية، الموضوعية في تقييم النفس (الوعي بالنفس)، قبول النقد، التحفيز، التفويض؛ وأشياء أخرى كثيرة وهامة يمكن للقارئ العزيز الاستزادة منها بالرجوع إلى مصادر لا حصر لها من الكتب والمراجع وعلى شبكة الانترنت. 

ثانيًا: محاذير يجب الالتفات إليها حتى لا تتعطل الشهادة بسبب العمل الزمني

  • الضغط الناشئ عن الرغبة في إحراز نتائج وانجازات سريعة، لإحراز النجاح وإثبات التفوق، أو لأن مستهدَفات ومتطلّبات العمل مبالغ فيها، وقد ينشأ عن ذلك ضغوط للقبول بتجاوزات تتعلق بالأمانة والمبادئ.
  • ضغط المنافسة الشرسة سواء في العمل الخاص أو الوظيفة، واللجوء في مواجهة ذلك لوسائل يجب أن ينأى المؤمن بنفسه عنها.  ويكمن الخطر ليس فيما هو واضح بشكل قطعي أنه خطأ، ولكن في أشياء كثيرة تستلزم التقوى والحواس المدربة للتمييز بين ما يليق وما لا يليق.
  • ضغط الرغبة المحمومة في النجاح والتقدم والترقي، وقد ينتج ذلك عن تجاوب مبالَغ فيه لتحفيز جهة العمل، مما يجعل العمل في حد ذاته والنجاح فيه هو محور التفكير والاهتمام بشكل متصل وبدون توقف.
  •  ضغط عدم كفاية الوقت، مما قد ينتج عنه عدم التوازن في الاهتمام بوقت الشركة والعلاقة مع الرب والمؤمنين وحضور الاجتماعات والخدمة والمحافظة على وقت كافٍ وجيد للأسرة.
  • ضغط الانهماك والإجهاد في العمل لساعات طويلة، لشهور وربما لسنوات، بطريقة قد ينتج عنها أحيانًا ما يسمى بـJob burn-out، وفيها يُستهلك الشخص تمامًا ذهنيًا ونفسيًا وبدنيًا بطريقة لا تؤثر فقط على أولوياته الروحية واهتمامه بأسرته، ولكن حتى على كفاءته في أداء العمل.
  • ضغط العُرف وما جرت عليه العادة في بعض الأعمال، بإعتبار بعض الأشياء الغير صحيحة أمرًا لا بد منه ولا يمكن أداء العمل بدونه، مع ما قد يكون في ذلك من ملامة وعثرة.
  • عدم التحفظ وعدم اللياقة في التعامل مع أشخاص من الجنس الآخر قد تحتم ظروف العمل قضاء أوقات طويلة معهم سواء في مكان العمل أو خارجه.
  • ضغط الملل الشديد والفقدان التام للحماس لمجالات معينة من العمل مع الاضطرار للبقاء فيها، مما قد يؤدى إلى تدني الأداء بطريقة معيبة وغير مقبولة.
  • ضغط الإحساس بعدم الأمان في العمل وإمكانية فقد الوظيفة لأسباب لا ترتبط بالأداء، في ظل وجود التزامات شخصية وعائليه وبطالة متزايده. 

الفرصه المتاحة للمؤمنين الأمناء للشهادة للرب من خلال أعمالهم، تضعهم فى نقطة تأثير تفوق قوة العبارات والحديث المباشر في الكثير من الأحيان

إن الفرصه المتاحة للمؤمنين الأمناء للشهادة للرب من خلال أعمالهم، تضعهم في نقطة تأثير تفوق قوة العبارات والحديث المباشر في الكثير من الأحيان (وإن كانت ليست بديلاً لها)، وتعطي لحديثهم عن عمل نعمة الله فيهم - عندما تتاح الفرصة - مصداقية وقبولاً وفاعليه، وتنشئ لدى الآخرين أسئلة يطلبون وينتظرون إجابة لها، وهي أيضًا مجال للاستناد على نعمة الله واختبار معونته وكفايته وصلاحه.

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com