عدد رقم 1 لسنة 2010
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
أربع نظرات إلى سدوم  
  هناك أربعة أشخاص نظروا تجاه سدوم، وكان لكل منهم رؤية خاصة.  أول شخص هو لوط (تك 10:13)، والثاني هو الرب نفسه  (تك 16:18)، والثالثة هي امرأة لوط (تك26:19)، وآخر شخص هو إبراهيم (تك28:19). 

النظرة الأولى والثانية كانت قبل مجيء الخراب على سدوم.  أما النظرة الثالثة والرابعة فكانت بعد الخراب الذي حلَّ بها.  وعندما نقف أمام هذه النظرات ونتأمل فيها بإمعان، سنخرج حتمًا بدروس أدبية هامة عن خطورة الانبهار والانجذاب للعالم الحاضر الشرير الذي حولنا.
 
1- النظرة الأولى: نظرة لوط إلى سدوم

كان لوط، كأي شاب، مبهورًا ومفتونًا بالعالم.  وازداد تعلُّقه به بعد أن نزل إلى مصر مع أبرام.  لم يتأثر بعمه، رجل الإيمان، في كل النواحي الإيجابية، ولم يستفد شيئًا من رفقته طول السنين.  بل على العكس، اتخذ من مخاصمة رعاته مع رعاة أبرام حُجَّة لكي ينفصل عنه، وذاك «السائر مع أبرام» (تك 5:13)، أمام مصالحه الشخصية، ورغبات قلبه الطبيعية، قرَّر أن يترك أبرام.  لقد كانت حياة لوط الروحية تستمد قوتها ووجودها، بل وتدريبها، من كونه «سائرًا مع أبرام»، دون أن يكون له الشركة الشخصية مع الرب.  فماذا حدث عندما بحث لوط عن ذاته وعن مكان لنفسه؟  لقد ضحَّى بهذه العلاقة لأجل مصالحه الشخصية.

إنه صورة لمؤمن لا يسير بإيمانه الشخصي بل تحت تأثير الآخرين، وهو غير مقتنع بما يفعل.  فقد ذهب مع أبرام من حاران إلى كنعان، وانحدر معه إلى مصر، ثم صعد معه من مصر، وعند الامتحان فشل وترك الطريق الذي ليس فيه جاذبية للجسد. كانت علة المخاصمة هي الأملاك الكثيرة، لهذا لم يقدرا أن يسكنا معًا.  وكم من حسد وخصام بسبب المطامع العالمية.  وهذه الثروة حصلا عليها من مصر وكانت شركًا لا بركة.  وهذا ما يُقدِّمه العالم.

كانت بالنسبة للوط فرصة لا تُعوَّض عندما عرض عليه أبرام أن يعتزل عنه، وللتو نقرأ القول: «فرفع لوط عينيه ورأى كل دائرة الأردن أن جميعها سقيٌ قبلما أخرب الرب سدوم وعمورة، كجنة الرب كأرض مصر، حينما تجيء إلى صوغر».  ومن عبارة «رفع عينيه» نفهم أنه كان يسلك بالعيان وليس بالإيمان.

إن نظرة واحدة خاطئة، بدوافع غير نقية تجاه العالم وما فيه، كافية لإضاعة أعظم رجال الإيمان، فماذا تفعل مع لوط «السائر مع أبرام» والفاقد الاتصال المباشر مع الرب؟  لقد «رفع لوط عينيه»، ولم يكتفِ الكتاب بأن يذكر لنا ما الذي رآه؟ بل بالحري كيف رآه؟ لقد رأى أن جميعها أرض سقي.  وكم من المرات نخرج بعد نظرتنا للعالم بقناعة أن هناك أمورًا حسنة في العالم، وهذا صحيح ولا ريب فيه.  فالعالم نظام مُرتَّب ومُزيَّن قد صنعه الشيطان بإتقان ليحتفظ بالإنسان بعيداً عن الله.  وهذا ما قاله لوط عن كل دائرة الأردن: «أن جميعها سقي».  فلم يكن هناك مكان واحد لم تصل إليه عين لوط إلا وتأكد أنه مليء بالخيرات والمسرَّات.

وهنا نرى في نظرة لوط أنها كانت نظرة شاملة، وفي ذات الوقت أرضية.  ولكي يرى هذه الدائرة كلها فهذا كان يحتاج إلى مكان مرتفع، وكانت دائرة الأردن مكانًا خفيضًا (جغرافيًا وأدبيًا)، وبالأسف من هذا المكان المرتفع لم يكن يفكر إلا في الأرض ومسرَّاتها. وهل نبتعد نحن كثيراً عن هذا؟ أ لسنا نعلم أننا سماويون وجنسيتنا هي في السماوات، ومع ذلك نجري بكل جد واجتهاد وراء أخفض الأمور التي في العالم لمجرَّد أنها جذَّابة للجسد. 

والكتاب يؤكد أنه رآها هكذا «قبلما أخرب الرب سدوم وعمورة»، فهو لم يكن يعرف أنها ستزول بالحريق.  وأما نحن فنعلم مصير هذا العالم وأنه سيحترق بالنار، ومع ذلك نبحث باجتهاد عن مسرَّاته، ونحاول أن نرسخ أقدامنا فيه.

لم يرَ لوط فقط أن الأرض جميعها سقيٌ، بل أنها «كجنة الرب كأرض مصر».  وبالرغم من رجوع لوط من مصر، إلا أن مصر كانت لا تزال في قلبه.  ولكن الشيء الغريب هو وصف هذه الأرض بأنها «كجنة الرب».  لقد رأى لوط مصر، ولكنه بالطبع لم يرَ جنة الرب.  لا نعلم لماذا وصفها هكذا؟ أ هو قلب خائف من كونه يسير في طريق غير مضمون؟ أم أنه ضمير مرتبك يحاول أن يقنن كل ما يفعله؟ وربما أراد أن يقول أن هناك شيئًا يخص الرب في هذه البلاد.

ونلاحظ أن كل ما رآه كان إلى هذا الحد، «إلى مجيئك إلى صوغر».  وهي المدينة التي هرب إليها لوط بعد ذلك، وتعني «صغيرة»، وكانت بالفعل مدينة صغيرة.  ومن اسم هذه المدينة نستطيع أن نرى ضآلة وحقارة هذا العالم. 

لم ينظر لوط فقط، ولكنه «اختار لنفسه كل دائرة الأردن، وارتحل لوط شرقًا، فاعتزل الواحد عن الآخر،  أبرام سكن في أرض كنعان، ولوط سكن في مدن الدائرة، ونقل خيامه إلى سدوم».  لقد كان إلى تلك اللحظة لديه ما تبقى من الصورة الخارجية لحياة الغربة، وهي الخيام، ولكننا نعلم أنه بعد استقراره في سدوم كان له بيتٌ وليس خيمةً، وهذا ما نجده عند زيارة الملاكين له (تك19) .

وهنا نرى تدرج لوط في الانحدار حيث نظر ورأى المكان، فالعين نافذة على النفس، ثم اختار هذا المكان لنفسه، ثم سكن في مدن الدائرة ونقل خيامه إلى (مقابل) سدوم، وبعد ذلك نراه ساكنًا في سدوم، ثم صاهر أهل سدوم، وفي النهاية كان يجلس في باب المدينة لكي يحكم حُكمًا .

ولكن دعونا لا ننسى أن بداية الانحدار كانت نظرة واحدة، وكانت كافية لضياع وتدمير شهادة المؤمن البار.  وآخر تقرير يذكره الكتاب عن سدوم هو: «وكان أهل سدوم أشرارًا وخطاة لدى الرب جدًا» (ع 13).  لم يفكر لوط في النتائج التابعة لارتباطه بالأشرار، ولهذا كان يُعذِّب نفسه البارة كل يوم بالأفعال الأثيمة التي كان يعايشها وتُلقي بظلالها عليه وهو ساكن في سدوم.

وإلى العدد القادم بمشيئة الله لنلقي النظرة الثانية على سدوم.

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com