عدد رقم 3 لسنة 2007
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
كيف كان يحبه؟  

عندما رأته جموع اليهود يبكي قالوا: «انظروا كيف كان يحبه؟!».

هل لي - يا أحبائي - أن أقترب من سيدي الكريم في تلك اللحظات الاستثنائية جدًا، أقتربُ بخشية وارتعاد لأنظر هذا المنظر العظيم؟  رب المجد يبكي!!  هل لي أن أتجرّأ وأغامر وأحرِّك مُقلة إحدى عيناي من رأس خفيض، فأكون كمن يحرّك حجرًا ثقيلاً لكي أملأ عيني وقلبي برؤية منظر كُتب له الخلود؟!  آه ما أروع منظر تلك اللآلئ المنحدرة على وجنتيه!  آه لو كنت هناك ورأيت؛ لكنت احتضنت بجفوني المنظر، وأغلقت عليه عيناي وخفت من فتحها ثانية لئلا يهرب مني، أو لئلا يدخل عليه أو يختلط به ما يمكن أن يؤثر على روعته.

أذكر أني، في بعض الأحيان، واجهت هذا الموقف الصعب جدًا على نفسي، أن يجلس معي رجل قوي الشخصية، رفيع المقام، متقدم في الأيام؛ لكن، لسبب ما يعاني منه، يترك لدموعه العنان.  كنت أرتبك للحظات لا أعرف كيف أتصرف، فالحركة هنا ينبغي أن تكون بحسابات دقيقة للغاية، والخطأ في حركة أو كلمة او نظرة، غير مسموح به بالمرة.  ولك أن تتخيل - عزيزي القارئ - إن كان مثل هذا الموقف يسبب لي ارتباكًا، فما هي المشاعر والأحاسيس التي من الممكن أن تنتابني لو كنت هناك عندما بكى رب المجد؟!

هذا هو سيدي الكريم الذي أحب الإنسان، فدخل إلى عالمه وعاش عيشته؛ فرح معه في عرس قانا الجليل، وبكى معه عند قبر لعازر، وما بين فرحته مع الإنسان في بداية خدمته وبكائه مع الإنسان في نهاية خدمته، عاش كل خبرات الإنسان، وتجرَّب في كل شيء مثله بلا خطية، وأظهر له الحب الحقيقي الذي لم يرَه سكان الأرض منذ أن حدث السقوط!  هذا هو الفيلانثروبست الحقيقي، بل والفريد.  وإن كان اليهود قد تعجبوا من روعة حب المسيح للعازر، ونطقوا بهذه العبارة البديعة، فإني أخذها من فمهم كشهود عيان رأوا ما كنت أتمنى أن أراه، وأعمِّمها على كل الجنس البشري، على الإنسان؛ لأقول من جديد لكل ذي عين بصيرة وقلب مخلص انظروا: كيف كان يحبه!

ولا يكفيني القول إن المسيح عندما كان هنا على الأرض بالجسد كان مُحبًّا عظيمًا للبشر، فهذا ربما يصلح لوصف الكثيرين من تابعيه الأمناء؛ أما هو فأقل ما يُقال عنه إنه كان هو في ذاته محبة الله للبشر متجسّدة في صورة إنسان.  كان المحب وكان المحبة نفسها!  فالله عندما أراد أن يظهر الفيلانثروبي في أعظم صورة له، أرسل رسالة للعالم اسمها المسيح.

وجولة في الأناجيل تكفي لعمل مجلدات عن تجلّيات حبه الغزير وتقديره العميق للإنسان.  لكن هذا الأمر، بالإضافة إلى العين الفاحصة في القراءة، يحتاج إلى قلب متدرب على حب الإنسان، لكي يفهم مواقف المسيح المتنوعة في تعبيراتها المختلفة وأعماقها البعيدة.  كما أنه يحتاج أيضًا إلى شركة عميقة مع الآب، تفسح المجال لله أبينا لكشف بعض نواحي الجمال في ابنه الوحيد.

إذًا، هذه أدوات لا غنى عنها للباحث لكي يستطيع اكتشاف أبعاد حب المسيح للإنسان، أقصد: العين الفاحصة، والقلب المتدرب، والشركة العميقة.  ولذا فإني أعتذر مقدَّمًا للمسيح، وأيضًا للإنسان؛ لكوني عزمت على الدخول في هذا المجال مع قلّة حظي من هذه الأدوات الثلاث.  لكن عزائي ينبع من كونها مجرد محاولة لن يحتقرها السيد، وربما لا تخلو من فائدة للقارئ.

وسأقصر قراءتي على إصحاح واحد من أقصر إنجيل، إنجيل مرقس، لكي أسهل المهمة على نفسي، وسأسجِّل لك عزيزي القارئ، بعضًا مما سأتعلمه عن محبة المسيح للإنسان، أضعها كإجابة لهذا السؤال: كيف كان يحبه؟

أولا: بالتوحد معه.

قد يعطف الغني على فقير، لكنه لا يستطيع أن يتوحد معه ليعيش معه فقره.  وقد يشفق الطبيب على مريض، لكنه لا يستطيع أن يتوحد معه ليتذوق معه ألمه.

ها هو المسيح، المحب الحقيقي الفريد، لا يتوقف عند حد العطف أو الشفقة على الإنسان، لم يرسل له رسالة يخبره فيها عن محبته، بل جاء إليه بنفسه!

لكن ها هو المسيح، المحب الحقيقي الفريد، لا يتوقف عند حد العطف أو الشفقة على الإنسان، لم يرسل له رسالة يخبره فيها عن محبته، بل جاء إليه بنفسه!  ولم يرسل له مالاً أو علاجًا، بل جاء ليكون قُربه ويلتصق به، ولكي ما، بكل الحب، يتوحد معه.

يبدأ الإنجيل بداية ما أروعها، إذ يدخل في موضوعه مباشرة بدون أيّة مقدّمات، فأول عبارة فيه هي: «بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله»، ثم يتقدَّم بسرعة ليرسم لنا ثلاث صور بديعة ترينا المسيح في توحده مع البشر المساكين:

1.  مجيئه من ناصرة الجليل مدينة المكروهين!

2.  معموديته من يوحنا مع الخطاة التائبين!!

3.  تجربته من الشيطان مستعبد المهزومين!!

لقد بدأ بالخبر السار أن يسوع قد جاء، ولم يفُته أن يشير، باختصار في عبارت قصيرة، إلى من هو يسوع.  فهو ابن الله، وهو المكتوب عنه في الأنبياء، وهو الرب يهوه، وهو الذي يرسل الله أمامه رسولاً يهيئ الطريق قُدامه، وهو الذي يشهد عنه يوحنا بأنه أعظم وأقوى منه للدرجة التي معها يرى يوحنا أنه ليس أهلاً أن ينحني ويحلّ له سيور حذائه، على الرغم من كون يوحنا هذا، بشهادة الرب نفسه، هو الذي لم يُولد نبي من النساء أعظم منه!!  لكن العجيب والمثير هو: من أين جاء وهو بكل هذه العظمة والبهاء؟  وكيف جاء؟

يقول: «في تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل»!!  لا يقول عنه إنه جاء من السماء، مع أنه بالطبع من السماء؛ لكن يا للجمال، ويا للمجد، لقد جاء من ناصرة الجليل!!  من أحقر مكان!!  فهو ليس من الجليل المُحتقَر فقط، بل ومن ناصرة الجليل؛ أي الأسوأ في الأحقر!!  لقد كان نثنائيل من الجليل المُحتقَر لكنه يقول لفيلبس، عندما أبلغه بالخبر السار أن المسيا جاء من الناصرة: «أ مِنَ الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح؟» (يو1: 46).

أحبائي: لو كان الرب يسوع جاء للعالم، وسكن في بيت جميل ونظيف في مدينة إورشليم، أو حتى في الجليل، وكان يخرج كل صباح ليتجول في الشوارع، يشبع الجياع، ويشفي المرضى، ويلقي العظات، ثم يعود في المساء ليأخذ حمامًا ساخنًا، وينام في فراش وثير؛ لكُنّا سجدنا أمامه لكثرة نُبْله وسمو محبته.  لكنه لم يفعل هذا، بل دخل من أحقر مكان؛ مذود!  وعاش في أحقر مدينة؛ الناصرة!  ولم يكن يستمطر السماء لترسل له طعام وهو خالقها؛ بل عمل أبسط عمل، عمل في دكان نجار!!

لقد جاء ليقول للناس : رأيت ذلكم، وعرفت عاركم وبؤسكم، وأحببتكم!  وها أنا جئت لأعيش ما تعيشونه، وأختبر الذل الذي تختبرونه، وأتجرع الألم والاحتقار الذي تتجرعونه!  دخلت عالمكم من أحقر باب، وأعيش فيه في أحقر مكان، وعندما يحل المساء أنام في العراء!  لكي لا يقول واحد منكم أني لا أعرف ما يعانيه!  كما إنني هنا بين الأفقر والأتعس، لكي لا أكون بعيد المنال على البؤساء بل في متناول الجميع!! 

إنه ببساطة توحَّد مع البائسين المكروهين.

واللوحة الثانية التي ترينا محبته وغرامه بالجنس البشري، هي لوحة نزوله إلى مياه المعمودية، ليعلن توحُّده مع التائبين.  جاء يوحنا يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا، فكثيرون إذ سمعوا برّروا الله وأدانوا أنفسهم وقبلوا النزول إلى مياه الأردن معترفين بخطاياهم.  فإذ بالسيد الجليل يأتي إلى يوحنا طالبًا أن يعتمد منه!! 

اندهش يوحنا، واندهشت - يقينًا - ملائكة السماء؛ فما علاقة القدوس بالتوبة، والمغفرة، والخطايا؟!  بالطبع ليس له أدنى علاقة بهذه كلها، وبالتالي ليس له أدنى علاقة بالمعمودية.  هذا صحيح؛ لكنه، وإن كان ليس له أدنى علاقة بالخطية، كانت له أقوى علاقة مع الخطاة!  علاقة الحب الحقيقي؛ فأراد أن يعلن عن حبه لهم والتصاقه بهم وتوحّده معهم، بنزوله، الآن معهم، إلى مياه المعمودية في الأردن، كمقدمة لنزوله، بعد قليل من أجلهم، إلى مياه الدينونة في الجلجثة. 

لقد كان، في مياه المعمودية، كمن يحصل على شرعية تمثيله للخطاة الآثمين بتوحده معهم، لكي يستطيع، قانونيًا، الوقوف نيابة عنهم على صليب الجلجثة أمام عدالة الله كممثِّل لهم!!


أما اللوحة الثالثة التي ترينا توحُّد هذا المحب الفريد مع البشر، فقد رُسمت عندما سمح المسيح لإبليس أن يجرِّبه! 

أربعة ألاف سنة مَرَّت مُنذ أسقط الشيطان رأس الخليقة وأول إنسان، ومن يومها لم يكُفّ عن الجولان في الأرض والتمشّي فيها لكي يخدع ويجرِّب ويُسقط بني الإنسان.  لم يَقوَ عليه إبراهيم ولا موسى ولا داود أو شمشون، صال وجال وعربد وأهلك البلايين!  وهو لم يكفّ عن افتخاره الأثيم بأنه ملك على كل البلاد، وسيد على كل البشر إذ استطاع أن يقتنصهم جميعاً في فخه! 

لكن أخيرًا جاء إليه هذا الإنسان المجيد ليوقف انتصاراته وليعلن بداية نهاية سيادته على الإنسان.  ومن أول عبارة نطق بها الشيطان نشعر كأنه يريد تحييد المسيح ومنعه من التوحد مع الإنسان، إذ يذكره بكونه ابن الله!  لقد شعر بالخطر على عرشه وبالرهبة من مواجهة المسيح كإنسان، فقال له «إن كنت ابن الله»!  وكأنه يريد، بذكاء، أن يسحبه بعيدًا عن دائرة الإنسان واحتياجه لله، أراد أن يجذبه إلى ممارسة سلطانه كابن الله ليكف عن أن يكون هذا الإنسان المعتمد على الله حتى من جهة طعامه، وكأنه يقول ”ما لك والإنسان“؟!  لكن ما أروع ردَّ السيد إذ يجيبه «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان»!! 

أي لاحظ أن إبليس يقول ”ابن الله“ والمسيح يقول ”الإنسان“!  لقد كان هناك، ليس باعتباره ابن الله، بل ابن الإنسان الذي توحَّد مع الجنس البشري ضد عدوهم، وهو عتيد أن يكون لهم المخلِّص منه، ولذا كان لا بد له أن يظهر تفوقه عليه ليثبت جدارته بأن يخلصهم منه!  لقد كان - تبارك اسمه إلى الأبد - في المعمودية وفي التجربة، كمَن يقدِّم لله أوراق اعتماده كمخلِّص للإنسان من خطاياه، وكمخلِّص للإنسان من سلطان الشيطان.

إذًا، في هذه المشاهد الثلاثة: في المجيء من الناصرة، وفي المعمودية، وفي التجربة؛ نرى التوحّد مع البشر في أكمل وأجمل صوره.  في الأول يتوحد معهم في فقرهم وعارهم، وفي الثاني يتوحد معهم في انكسار قلبهم على خطيتهم، وفي الثالث يتوحد معهم ضد عدوهم ليعلن لهم تفوقه وقدرته على أن يخلصهم!

في الأول يتوحد معهم في فقرهم وعارهم، وفي الثاني يتوحد معهم في انكسار قلبهم على خطيتهم، وفي الثالث يتوحد معهم ضد عدوهم ليعلن لهم تفوقه وقدرته على أن يخلصهم!

إلا أن السماء، في المشاهد الثلاثة، لم تقف صامتة، لكنها تدخَّلت لتعلن هوية هذا المحب البديع.  ففي مجيئه من الناصرة يعلن الروح القدس أن يسوع هذا، الذي جاء من الناصرة، هو ابن الله، الرب يهوه.  وفي المعمودية يعلن الآب أن هذا هو ابنه الحبيب.  وفي التجربة تأتي ملائكة السماء لتخدمه لتعلن أنه سيدها وخالقها!

أحبائي:

هو لم يستنكف أن يعيش بؤس الفقراء في الناصرة، بينما نحن عندما يسمح لنا الرب أن نجتاز في فقر أو ظلم أو أي شيء مما يجتاز فيه الناس، لكي نشعر بهم ونتعاطف معهم ونسعى لخلاص نفوسهم؛ تجدنا نتذمر ونتضجر، وكأننا نفترض أننا ما دمنا مؤمنين لا ينبغي أن نجتاز فيما يجتاز فيه الناس.  بينما الواقع هو أننا ما دمنا مسيحين ينبغي أن نجتاز ما اجتاز فيه المسيح لأجل الإنسان.

هو لم يشمئز منهم كخطاة عندما ربط نفسه بهم في المعمودية، لكن نحن نبتعد عن الناس بسبب خطاياهم بينما ينبغي أن خطاياهم هي التي تجعلنا نشفق، فنحب، ونقترب، ونبلغ الخبر السار. 

هو لم يحتقرهم لهزيمتهم وعبوديتهم من إبليس، بل نزل يصارع لهم عدوهم في البرية، بينما نحن نكتفي بأن نتكلم عن أخبار هزيمة البشر من إبليس، نتكلم بروح الشماتة أحيانًا، أو الاستخفاف أحيانًا أخرى؛ غير مدركين لبشاعة هذا، بينما يحتاج البشر لمن يشعر بهزيمتهم فينزل ليصارع عدوهم بأسلحة المحاربة الروحية القادرة بالله على هدم حصون هذا العدو، ونحن فقط الذين نمتلك تلك الأسلحة.

ثانياً: بالعيشة لأجله

يتميّز الإصحاح الأول من إنجيل مرقس بأنه قدَّم لنا برنامج يوم كامل في حياة المسيح، وأرجو أن تتأمل عزيزي القارئ هذا البرنامج في الأعداد من 14-35، ثم قُلْ لي ما هو انطباعك عن حجم الخدمة التي قدَّمها المسيح في يوم واحد للإنسان؟

في يوم واحد كرز للإنسان داعياه إياه للتوبة والإيمان (ع14، 15).  ثم ذهب إلى بحر الجليل لكي يدعو ويفرز خُدَّامًا للإنسان، وما أجمل توصيفه لطبيعة عملهم ”التوصيف الوظيفي“ أو كما يقولون Job description؛ إنهم صيادي الناس!  يا لجمال هذا التعبير!  فإبليس قد حوَّل الحياة إلى بحر من الهموم والملذّات والشرور وأغرق فيه الناس، لكن ها هو المسيح وخُدامه عملهم الرئيسي انتشال وإخراج الغرقى من بحر الردى ووضعهم على الصخرة! 

ثم يدخل إلى كفر ناحوم وبكل حب للإنسان يقدِّم له التعليم وما أحوج الإنسان للتعليم؟!  لكن هناك وهو يعلم يقدِّم مثالاً عمليًا على هذا الانتشال السريع لمسكين غريق تحت سلطان الشيطان.  كان الرجل يسكنه روح نجس ومجرَّد ما رأى الرب، صرخ الروح النجس مرتعبًا من الهلاك على يد الخالق!  وكم كان المنظر بديعًا لكل ذي عين بسيطة، منظر السلطان!  إذ يقول له السيد: «اخرس واخرج منه»!  فإذا علَّم هو يعلم بسلطان «فَبُهِتُوا مِنْ تَعْلِيمِهِ لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَةِ»، وإذا أخرج الشيطان فهو يخرجه بسلطان!  حتى تحير الجميع منه «فَتَحَيَّرُوا كُلُّهُمْ حَتَّى سَأَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً قَائِلِينَ: مَا هَذَا؟  مَا هُوَ هَذَا التَّعْلِيمُ الْجَدِيدُ؟  لأَنَّهُ بِسُلْطَانٍ يَأْمُرُ حَتَّى الأَرْوَاحَ النَّجِسَةَ فَتُطِيعُهُ!». 

ثم خرج من المجمع ودخل بيت سمعان، وهناك، قبل أن يقدِّم له أي واحد من سكان البيت شيء، كان هو سبَّاق؛ فخدمهم قبل أن يخدموه إذ شفى حماة بطرس!  وعند المساء كانت المدينة كلها مجتمعة عند الباب، وابتدأ يشفي، حتى أراح الجميع وأرسلهم إلى بيوتهم بدون أوجاع أو أمراض. 

لكن هنا تم فيه قول إشعياء النبي كما يشرح لنا متى الرسول فيقول: «وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ قَدَّمُوا إِلَيْهِ مَجَانِينَ كَثِيرِينَ فَأَخْرَجَ الأَرْوَاحَ بِكَلِمَةٍ وَجَمِيعَ الْمَرْضَى شَفَاهُمْ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ: هُوَ أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا» (مت8: 16، 17).  أي أن هذا الجمع المريض ذهب هانئًا، لكن تركوا على نفسه الرقيقة كل بؤسهم وذلهم، فهو أخذ أمراضهم وحمل أسقامهم، ولذلك لم يستطع أن ينام، بل ظل يسكب أنين الخليقة المعذّبة في محضر أبيه، لذلك يقول عنه الكتاب «خرج في الصبح باكرًا جدًا إلى موضع خلاء وكان يصلي».  لقد أخذ هذه الأسقام وحمل هذه الأمراض في نفسه عندما كان يجول بيننا، كمقدِّمة لحمل بعد هذا: خطايانا في جسده على الخشبة!  وكانت النتيجة أن المدينة نامت مستريحة، وحتما لأول ليلة في تاريخها.

إذًا، كان هذا باختصار حصاد يوم واحد في خدمة الإنسان، تأمّله لتعرف حجم الطاقة التي كان يستنزفها منه الناس، وحجم الوقت الذي كان يعطيه للإنسان:

1- كرز وبشّر بالتوبة والإيمان.

2- دعا وأفرز للخدمة أربعة خدّام ليخدموا معه الإنسان.

3- دخل المجمع ليعلِّم بسلطان.

4- أخرج الروح النجس الساكن في إنسان.

5- شفي حماة بطرس من الحمى.

6- شفى سكان مدينة بأكملها في المساء آخذًا عنهم أوجاعهم ليحملها في نفسه.

7- قام في الصبح ليصلي لأجل الإنسان.

لذا لا عجب إن قُلتُ إنّه كان متيَّمًا بالإنسان، وعاش ينفق نفسه في حبه.

ثالثًا: بفهم أعماقه وتسديد أعوازه

في نهاية هذا الإصحاح نراه يلمس الأبرص الذي أتى إليه ضارعًا طالبًا ليس اللمس بل الشفاء، لكنه إذ يعلم عمق احتياج هذا المحروم من اللمس لدفء وحنان اللمسة، نجده يجود بها عليه دون أن يسألها أو حتى يحلم بها.  وهذا يجعلنا نرجع قليلاً للوراء، لنراه في بيت بطرس يشفي حماته من الحمى ليس بلمسة بل بمسكة قوية من يده القديرة ليدها الضعيفة الواهنة!  وهذ يجعلنا أيضًا نتقدَّم قليلاً للأمام لنراه، في أكثر من موقف، يشبع احتياج الأطفال لا بلمسة ولا بمسكة بل باحتضان!  إذًا، هو يعرف متى يلمس، ومتى يمسك، ومتى يحتضن!  ويعرف أيضًا من الذي يحتاج للمسة، ومن الذي يحتاج للمسكة، ومن الذي يحتاج للأحضان!  فالمرأة المُسنّة العجوز، يمسكها بيدها ويقيمها!  ولك أن تتخيل وَهَن الشيخوخة وضعفها وشعورها العميق المستمر بالعوز لمن يمسك بها وهي بدون مرض، فكم بالحري حاجتها لمسكة قوية وهي مريضة بالحمى؟  بينما لم يكن الأبرص يحتاج ليد قوية، فهو رجل، والبرص لا يذهب القوة كالحمى لكنه يضيّع الكرامة بسبب نجاسته، لذلك لم يكن يحتاج لمسكة بل للمسة حانية.  والطفل الصغير الضعيف لا تكفيه لا مسكة ولا لمسة، فهو يحتاج بعمق للشعور بالأمان وهذا لا يجده إلا في الأحضان. 

هو يعرف متى يلمس، ومتى يمسك، ومتى يحتضن!  آه ما أجمل وما أروع سيدي الكريم وهو يوزّع الحنان ويشبع جميع الاحتياجات التي قد يعلم بها أصحابها أو لا يعلمون، يحلمون بإشباعها أو لا يحلمون.

آه ما أجمل وما أروع سيدي الكريم وهو يوزّع الحنان ويشبع جميع الاحتياجات التي قد يعلم بها أصحابها أو لا يعلمون، يحلمون بإشباعها أو لا يحلمون.  إن الجميل في الفيلانثروبست الحقيقي هو فهمه لاحتياج الإنسان دون أن يبوح به، وإسراعه للإشباع دون طلب من المحتاج!  هل كان الأبرص يحلم بيد عادية وليست يد القدوس أن تلمسه؟  وهل كانت العجوز تحلم بيد القدير تصل إلى سريرها، وتمسك بها وتقيمها، وتقهر لها مرضها، وتطلق القوة في جسدها الواهن حتى تقوم في الحال كشابة يافعة لتخدمهم؟  وهل كان يحلم الطفل بأن المعلم العظيم، الذي يجلس عند قدميه الكبار، يحمله ويأخذه في حضنه؟  

أحبائي:

هذه مجرد جولة صغيرة للغاية حول ربنا الحبيب يسوع..

هل رأينا كيف أحب الإنسان؟ 

وهل تعلم عزيزي القارئ أنه ينتظر منا نفس هذا الحب من نحو الإنسان؟! 

فهيا بنا نطلب الصفح والغفران لأننا لم نُشبع قلبه بحب حقيقي للإنسان. 

وهيا نطلب منه العون لنحب كما أحب فنكون بحق تلاميذه.

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com